ثانوية الأمير مولاي عبد الله بمدينة سيدي سليمان


 
اليوميةمكتبة الصورالرئيسيةس .و .جبحـثالتسجيلالأعضاءالمجموعاتدخول

شاطر | 
 

 الاجتماعيات******************(العولمة)

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
samir
عضو مبتدئ
عضو مبتدئ
avatar

ذكر
عدد الرسائل : 24
العمر : 29
وسام التمييز : 0
تاريخ التسجيل : 07/10/2007

مُساهمةموضوع: الاجتماعيات******************(العولمة)   السبت ديسمبر 01, 2007 3:43 am

مقدمة
تفرض (العولمة) نفسها على الحياة المعاصرة، على العديد من المستويات، سياسياً واقتصادياً، فكرياً وعلمياً، ثقافياً وإعلامياً، تربوياً وتعليمياً. وهي بذلك من الموضوعات التي تحتاج معالجتها إلى قدر كبير من الفهم لعمقها وجوهرها، والإدراك لبُعدها وغايتها، والوقوف على ما تنطوي عليه السياسات التي تتحكّم فيها وتقودها، وتتحمّس لها وتدعو إليها، وتمهد للتمكين لها، بشتى الطرق وبمختلف الوسائل.
ولقد أجمعت الدراسات الحديثة لنظام العولمة الذي أصبح اليوم نظاماً يشكّل ظاهرة كونية، إن صحَّ التعبير، على اعتبار الخطر الأكبر الذي تنطوي عليه العولمة، هو محو الهويات الثقافية للشعوب، وطمس الخصوصيات الحضارية للأمم.
ولقد اهتممت بموضوع العولمة منذ ظهور المصطلح وبدء تداوله، في إطار اهتماماتي بالقضايا الدولية ذات الطابع الفكري والثقافي والعلمي والتربوي التي تشغل حيّزاً كبيراً من اهتمامات النخبة المثقفة والصفوة المشتغلة بالعلم والفكر. وسبق لي أن درست ظاهرة العولمة من منطلق ارتباطها بالهوية، ومن منظور التنوّع الثقافي، وكتبت دراسة حول موضوع (الهوية والعولمة من منظور حق التنوّع الثقافي)، شاركت بها في إحدى دورات أكاديمية المملكة المغربية، وهي أعلى مجمع علمي وثقافي وأكاديمي في المغرب، عقدت في الرباط، في الفترة ما بين 5 و 7 من مايو عام 1997م.
واستكمالاً لتلك الدراسة التي نشرتها مترجمةً إلى الانجليزية والفرنسية في كتاب واحد، وَاصَلْتُ البحث في أبعاد العولمة وآثارها وتأثيراتها وتهديداتها للمجتمعات الحديثة، واطّلعت على دراسات نشرت في الموضوع نفسه وفي موضوعات مرتبطة به، وتهيّأ لي أن أكتب في موضوع (العولمة والحياة الثقافية في العالم الإسلامي)، وهو جانبٌ مهمّ من الجوانب ذات العلاقة بالمعركة الحضارية الكبرى التي تخوضها شعوب العالم الإسلامي دفاعاً عن خصوصياتها الثقافية أمام مخاطر العولمة، وترسيخاً لجذورها، وتأميناً لوجودها المادي والمعنوي.
ولقد رأيت أن أنشر اليوم هذه الدراسة الجديدة مترجمةً إلى الانجليزية والفرنسية، ليتمكّن المهتمون بهذه الظاهرة العالمية في الأوساط العلمية والفكرية والثقافية، من الإطلاع عليها، مؤمّلاً أن يكون فيها ما يلفت النظر
توطئـة :
لكل عصرٍ مفاهيمه ومصطلحاته ومفرداته، ولكل مرحلةٍ من مراحل التاريخ البشري، اهتماماتها وقضاياها وانشغالاتها. وفي مسيرة الفكر الإنساني، تتجدّد ألفاظ الحضارة وتتطور معانيها وتتشعب مضامينُها، وتبرز أفكار جديدة ونظريات مبتكرة تنحو مناحي متعددة وتُطرح في صياغاتٍ مستحدثة، أو تُصَبُّ في قوالب ونظم تلائم العصر، وتعبّر عن طبيعته وتستهدف قضاياه.
ومن المفاهيم الجديدة التي تُطرح في هذا العصر، وتحديداً منذ العقد الأخير من القرن الماضي، مفهومُ (العولمة) الذي اقترن ظهورُه بانتهاء الحرب الباردة وابتداء ما يُصطلح عليه بـ (النظام العالمي الجديد) الذي هو في حقيقة أمره وطبيعة أهدافه، نظامٌ صاغته قُوى الهيمنة والسيطرة لإحداث تنميط سياسي واقتصادي واجتماعي وثقافي وإعلامي واحد وفرضه على المجتمعات الإنسانية كافة، وإلزام الحكومات بالتقيّد به وتطبيقه.
ولقد خَالَطَ مفهومَ العولمة هذا كثيرٌ من الأوهام حتى صار من المفاهيم المعقدة، المبهمة أحياناً، المثيرة للجدل دائماً، المرتبطة في الأذهان بالسياسة التسلّطية التي تمارسها الدولةُ التي انفردت بزعامة العالم في هذه المرحلة، بعد أن خَلاَ لها المجالُ بانهيار القطب الموازي لها، وسقوط منظومته المذهبية والسياسية والفكرية والثقافية.
ولذلك فإن للعولمة وجوهاً متعددة؛ فهي عولمة سياسية، وعولمة اقتصادية، وعولمة ثقافية، وعولمة إعلامية، وعولمة علمية وتكنولوجية. والخطير في الأمر كلِّه، أن لا وجه من هذه الوجوه يستقل بنفسه؛ فعلى سبيل المثال، لا عولمة ثقافية بدون عولمة سياسية واقتصادية تمهد لها السبيل وتفرضها فرضاً بالترهيب والإجبار تارة، وبالترغيب والتمويه، تارة أخرى.
ومن هنا، كان لابد أن نفهم (العولمة) باعتبارها منظومةً من المبادئ السياسية والاقتصادية، ومن المفاهيم الاجتماعية والثقافية، ومن الأنظمة الإعلامية والمعلوماتية، ومن أنماط السلوك ومناهج الحياة، يُراد بها إكراه العالم كلِّه على الاندماج فيها، وتبنّيها، والعمل بها، والعيش في إطارها.
وذلك هو العمق الفكريّ والثقافيّ والإيديولوجيّ للنظام العالمي الجديد.
ما العولمة ؟
على تعدّد الشروح وتنوّع التفسيرات التي حاول بها مفكرو العصر من المشتغلين بالفكر السياسي في اتجاهاته الثقافية والاجتماعية فهم العولمة وتفسيرها، فإنَّ أجمع شرح للعولمة وأعمق تفسير لدلالاتها ومضامينها، لا يخرجان عن اعتبار العولمة ــ في دلالتها اللغوية أولاً ــ هي جعل الشيء عالمياً، بما يعني ذلك من جعل العالم كلِّه وكأنه في منظومة واحدة متكاملة. وهذا هو المعنى الذي حدّده المفكرون باللغات الأوروبية للعولمة GLOBALIZATION في الإنجليزية والألمانية، وعبروا عن ذلك بالفرنسية بمصطلح MONDIALISATION، ووضعت كلمة (العولمة) في اللغة العربية مقابلاً حديثاً للدلالة على هذا المفهوم الجديد.
ومهما تعدّدت السياقات التي ترد فيها (العولمة)، فإن المفهوم الذي يعبّر عنه الجميع، في اللغات الحيّة كافة، هو الاِتجاه نحو السيطرة على العالم وجعله في نسق واحد. ومن هنا جاء قرار مجمع اللغة العربية بالقاهرة بإجازة استعمال العولمة بمعنى جعل الشيء عالمياً (1)
لقد رجعت إلى المعجم العالمي الشهير (ويبسترز WEBSTERصS)، فوجدت فيه أن العولمة (GLOBALIZATION) هي إكسابُ الشيء طابعَ العالمية، وبخاصة جعل نطاق الشيء، أو تطبيقه، عالمياً (2). ولكني ألفيتُ أن هذا المعنى شديد البراءة بالغُ الحيدة، لا ينسجم في عمقه مع دلالة اللفظ ومفهوم المصطلح، كما يُشاع ويتردد في العالم اليوم. ولذلك فإن المفهومَ السياسيَّ والثقافيَّ والاِقتصاديَّ للعولمة، لا يتحدّد بالقدر اللازم، إلا إذا نظرنا إليه من خلال رؤية عامة تدخل في نطاقها جميعُ المتغيّرات السياسية والثقافية والاِقتصادية التي يعيشها العالم منذ مطلع تسعينيات القرن العشرين (3).
فهل العولمة خطر؟. وهل العولمة شرٌّ كلُّها؟، وهل يوجد مجالٌ للاختيار أمام تيار العولمة الجارف المدعم بالنفوذ السياسي الضاغط والهيمنة الاِقتصادية القاهرة؟.
لقد اعتنى المفكرون، من شتى المشارب، سواء من العالم الإسلامي، أو من مختلف أنحاء العالم، بالتأصيل والتقعيد والتنظير للعولمة. وحسبنا أن نقول إن العولمة نظام عالميّ آخذ في الغزو والاِكتساح، وهو بهذا الاِعتبار حقيقةٌ من حقائق هذه المرحلة من التاريخ.
ولعلَّ أبرز ملامح العولمة هي ما يتبدَّى لنا من خلال التطورات المدهشة التي تعرفها مجالات الاِتصال والتواصل عبر الأقمار الصناعية والحاسوب والأنترنيت، وذلك على النحو التالي :
ــ عمق التأثير في الثقافات وفي السلوك الاجتماعي وفي أنماط المعيشة.
ــ اتساع دائرة الخيارات الاِقتصادية من خلال حركة الاِستثمارات الدولية والأسواق المفتوحة، وتضييق دائرة الخيارات السياسية من حيث تضاؤل القدرة على الاِكتفاء الذاتي اقتصادياً، ومن حيث تزايد معطيات التداخل الاِستقلالي سياسياً.
ــ نموُّ ما أصبح يُعرف باسم القطيع الإلكتروني (ELECTRONIC HERD) من مؤسسات متعددة الجنسيات، وحتى من أفراد يبحثون عن الربح ويؤثّرون في قرارات الدول وفي مصائر شعوبها.
ــ تسخير أدوات العولمة بكيفية تمكّن منتجي هذه الأدوات من الطغيان على المستهلكين والمتلقين بحيث تؤثر في إلغاء لغاتهم الخاصة وفي طمس هوياتهم الوطنية.
وبذلك يكون للعولمة قدرات استثنائية للتغلغل وبالتالي للتأثير. ومن الشهادات التي تؤكد هيمنة العولمة على مقدرات الحكومات والشعوب، ما جاء في كلمة للرئيس الفرنسي جاك شيراك، ألقاها بمناسبة اليوم الوطني الفرنسي (14 يوليو 2000)، حيث قال : "إن العولمة بحاجة إلى ضبط، لأنها تنتج شروخاً اجتماعية كبيرة، وهي وإن كانت عاملَ تقدُّمٍ، فهي تثير أيضاً مخاطر جدّية ينبغي التفكير فيها جيداً، ومن هذه المخاطر ثلاثة : أولها أنها تزيد ظاهرة الإقصاء الاِجتماعي، وثانيها أنها تنمي الجريمة العالمية، وثالثها أنها تهدد أنظمتنا الاِقتصادية" (4)
والواقع أن العولمة جزءٌ من نظام عالمي تخضع له الشعوب والحكومات، ولا يملك أحدٌ منها أن يقف بمنأى عنه. ولذلك فإن العامل النفسي هو الذي يجعلنا نتردد، ونرتاب، ونرتعب أيضاً، ونقف مشدوهين مبهورين لا نريم. فإذا عالجنا الآثار النفسية المترتبة على الموقف الذي نتخذه إزاء ما يعجُّ به عالمنا اليوم، بمنتهى الحكمة، وبقدرٍ كبيرٍ من الرشد الحضاري والوعي الإنساني، أمكننا أن نواجه الواقع كما هو في حقيقته وبطبيعته، لا كما نتوقعه، أو نتوهمه.
إن الصدق مع النفس، هو الخطوة الأولى نحو امتلاك أدوات التحكّم في الآثار المدمرة للعولمة الثقافية. ومن الصدق مع النفس، أن نعترف ونقرّ بأننا، كأمة إسلامية، وفي هذه المرحلة التاريخية، لا نمتلك القدرات الكافية لكسر موجات العولمة، وللتحكّم في اتجاهات الرياح التي تهبُّ بها. ولا ينبغي أن يفتَّ هذا الموقفُ الصادقُ في عضدنا، أو أن يُقعدنا عن القيام بما يتعيّن علينا القيام به، من عملٍ دؤوب للتخفيف من وطأة آثار العولمة، ولردّ هجماتها، وللتقليل من الخسائر الناجمة عن هذا الغزو ما أمكننا ذلك، وما استطعنا أن نسلك من سبيل إلى القيام بما يستوجبه الموقفُ.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
samir
عضو مبتدئ
عضو مبتدئ
avatar

ذكر
عدد الرسائل : 24
العمر : 29
وسام التمييز : 0
تاريخ التسجيل : 07/10/2007

مُساهمةموضوع: رد: الاجتماعيات******************(العولمة)   السبت ديسمبر 01, 2007 3:44 am

دوائر العولمة :
هل للعولمة جانبٌ واحد، هو الجانب السلبي الذي ينعكس في الآثار السيئة والمضار والمخاطر التي تهدد استقرار المجتمعات الإنسانية، أم أن لها جوانب متعددة، منها السلبي، ومنها الإيجابي؟.
نعتقد أن هذا السؤال يصحُّ أن نتخذه مدخلاً إلى فهمٍ أعمق للعولمة، على المستويات كافة، وبصورة خاصة على المستوى الثقافي، وإلى استيعابٍ أشمل لمضامينها.
والحق أن ما من نظامٍ أو منهج، أو فكرةٍ سياسيةٍ واجتماعية تتصل بحياة البشر، إلا ولها وجوه متعددة، على اعتبار أن الفكر الإنساني هو ذو منزع مزدوج من الخير والشر، وهما العنصران الكامنان في الضمير الإنساني. وعلى هذا الأساس، فإننا نرى أن للعولمة دوائر تتحرك فيها، وهي بذلك ليست دائرةً واحدةً منحصرة في حدود معلومة. وللإرادة الإنسانية تأثيرٌ في تحديد هذه الدوائر ورسم معالمها وضبط مساراتها.
وعلى الرغم من وضوح هذه الفكرة، فإن التركيز على الجانب الإقتصادي والسياسي للعولمة، جعلها تغيب في أحايين كثيرة، عن الأذهان، لدرجة أنّ معظم المفكرين في العالم، ومنهم طائفة من المفكرين في العالم الإسلامي، يغفلون عن الجوانب الأخرى للعولمة، وينزعون نحو إدانة العولمة جملةً وتفصيلاً، الأمر الذي تضيع معه عناصر كثيرة من الحقيقة، بحيث يقع الخلط بين الحق والباطل، وبين الواقع والمثال.
إنَّ رفضنا العولمة وتنديدنا المتكرّر عاليَ الصوت، بآثارها السلبية، وتركيزنا على نقض أسسها ودحض ادعاءات المروّجين لها، كل ذلك لن يؤثر في طبيعة الوضع الناجم عن هيمنة النظام العالمي الذي يفرض العولمة على العالم، ولن يكون لموقفنا هذا، أي تأثير إيجابي على العولمة، من حيث هي فكرة ومنهج وأسلوب ونظام وتيار عارم جارف يكتسح الحواجز ويدكّ المواقع.
ولذلك، فإننا ندعو إلى أن نلتمس للعولمة جوانبَ إيجابية، ونعمل ما وسعنا العمل، لتوظيف إيجابيات العولمة فيما ينفعنا في حياتنا العامة.
إن المسألة في حاجة شديدة إلى ضبطٍ منهجيٍّ نتحكَّم به في العولمة بأعلى ما نستطيع من قدرات. وبذلك نسلك طريقنا إلى الاِستفادة من العولمة على النحو الذي يدفعنا إلى الإسهام في الحضارة الإنسانية الجديدة، من موقعنا الثقافي المتميّز وبخلفيتنا التارخية وبهويتنا الحضارية المتفردة.
إن هذا الموقف الإيجابيّ إزاء العولمة يتطلب منا أن ننخرط في المعترك الثقافي العالمي، وأن ندفع بمجتمعاتنا في اتجاه التفاعل المتحرّك مع المتغيّرات المتسارعة، حتى نفهم ما يجري حولنا، ونستوعب التحوّلات الكبرى التي تعيشها الإنسانية في هذا العصر، ولئلا نبقى قاعدينَ نندب حظوظنا، وعاجزينَ نتفرّج على العالم يتطور ويتقدم.
إن الهزيمة النفسية أمام العولمة تأتي من اعتبار ظاهرة العولمة حتميةً. وهذا أمرٌ مبالغٌ فيه، وهو لا يعبّر عن حقيقة هذه الظاهرة، لأن اعتبار ظاهرة العولمة حتميةً، قد لا يكون في الحقيقة أكثر من اعتراف المرء بأنه لم يعد لديه طاقة باقية للمقاومة، أي أنه قد نفد جهده، وأصبح مستعداً للتسليم. فإذا كان هذا هو اختيار بعضهم، فهو ليس مُلزماً لغيرهم، ومن الظلم على أي حال، أن يوصف بالحتمية اختيارٌ لا يعكس إلا نفاد الطاقة أو استعجال المكافأة. وهو موقفٌ ظالم، لأنه يحمّل عدة أجيال قادمة عبءَ فشل جيلٍ بعينه، فاعتبار ظاهرة ما حتميةً، يتوقف أيضاً على المدى الزمني الذي يأخذه المرء في اعتباره ((5
إن حقائق الأشياء تؤكد أن العولمة لا تمثّل خطراً كاسحاً ومدمراً، إلا على الشعوب والأمم التي تفتقر إلى ثوابت ثقافية، أما تلك التي تمتلك رصيداً ثقافياً وحضارياً غنياً، فإنها قادرة على الاِحتفاظ بخصوصياتها والنجاة من مخاطر العولمة وتجاوز سلبياتها.
ومن الأساليب التي يستخدمها مهندسو العولمة ومروّجوها، تنميةُ الشعور بالهزيمة والاِستعداد للاستسلام أمام ما يريدون فرضه على الشعوب والحكومات، من خلال إضعاف الإحساس بالذاتية، وبالتميّز، وبالاِعتزاز بكل ما يمتُّ إلى التراث الحضاري والرصيد الثقافي، بصلة.
ومن هنا نجد أن الرفض العالمي للعولمة يَتَنَامى باطّراد، وإن كان لا يملك أن يؤثر في صدّ هجمات العولمة على أمم الأرض وشعوبها، على الأقل في المدى المنظور، لأننا نعتقد جازمين، أن كل نظام ظالم للإنسان، أو عقيدة قاهرة للفطرة، أو منهج يفرض الهيمنة على الإرادة الإنسانية ويتحكّم في أشواق النفس البشرية الروحية وتطلعاتها الثقافية وطموحها الحضاري، هو إلى انهيار وزوال، لأنه يصادم سنة اللَّه في خلقه، ويَتَنَافَى مع فطرة اللَّه التي فطر الناس عليها.
وأمام عنفوان العولمة وضغوطها القوية، لا ينبغي أن نستسلم ونذعن لإرادة الأقوياء المتحكمين في أَزِمَّة الأمور في ظل النظام العالمي الجديد. ولا يتعارض هذا الموقف المطلوب منا اتخاذُه، مع ما ذكرناه آنفاً.
إن الخطأ المنهجي الذي يقع فيه طائفة من المفكرين من العالم العربي الإسلامي الذين بحثوا ظاهرة العولمة، يكمن أساساً في أنهم بدلاً من أن يرسموا الخريطة الجديدة التي يتعيّن على المجتمعات العربية الإسلامية فهمها والعمل في حدودها، ويُضيئوا أمام أصحاب القرار والنخب المثقفة والمفكرة، المصابيح لتسلّط على الحقائق كما هي، لا كما نتوهمها أو نتخيلها، راحوا يُسهبون إسهاباً مفرطاً، في تعداد مساوئ العولمة وأضرارها والمخاطر التي تتسبَّب فيها، فكانوا بصنيعهم هذا، يقومون بشقٍّ من الواجب، ولا ينهضون بمسؤوليتهم كاملة.
إن أحداً منا لا يجادل في أن ثمة شواهد كثيرة تشير إلى أن قوى العولمة المعاصرة ليست سوى امتداد عضوي وإيديولوجي لقوى الاِستغلال والسيطرة والاِحتواء وتعمل على تكريس التبعية من جانب الدول الأقل نموّاً لتلك الأكثر نموّاً، وإن كانت آليات تكريس التبعية قد اختلفت في ظل العولمة، من الاِستعمار التقليدي، إلى اللجوء لسياسة الضغط الاِقتصادي (6). فهذه حقيقة لا سبيل إلى إنكارها. ولكن هل تقف مسؤوليتنا عند هذا الحد، وهو الجهر بهذه الحقيقة، أم أن المسؤولية تمتدُّ وتتشعب وتَتَوَاصَلُ؟.
إن المنهج في بحث ظاهرة العولمة، هو إلى الوصف التحليلي والنقد السياسي من منطلق إيديولوجي، أقرب منه إلى المعالجة العلمية المستنيرة المبرأة من كل هوى سياسيٍّ أو إيديولوجيّ. ولذلك كان من السلبيات التي وقع فيها معظم من عالج قضية العولمة من خلال هذا المنهج، العزوفُ عن الموضوعية المجردة تحت تأثير الفكر الشمولي الذي كان يسود في عهود القُطْبَين الأكبرين في زمن الحرب الباردة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
samir
عضو مبتدئ
عضو مبتدئ
avatar

ذكر
عدد الرسائل : 24
العمر : 29
وسام التمييز : 0
تاريخ التسجيل : 07/10/2007

مُساهمةموضوع: رد: الاجتماعيات******************(العولمة)   السبت ديسمبر 01, 2007 3:45 am

مجال العولمة الثقافية :
للعولمة، كما أسلفنا القول، منظومةٌ متكاملةٌ يرتبط فيها الجانبُ السياسيُّ بالجانب الاِقتصاديّ، والجانبان معاً يَتَكَامَلاَنِ مع الجانب الاِجتماعي والثقافي، ولا يكاد يستقل جانبٌ بذاته. وعلى هذا الأساس، فإن العولمة الثقافية هي ظاهرةٌ مدعومةٌ دعماً محكماً وكاملاً، بالنفوذ السياسي والاِقتصادي الذي يمارسه الطرف الأقوى في الساحة الدولية. وللوقوف على الصورة الواضحة للأجواء التي تمارس العولمة الثقافية في ظلها نفوذَها على الشعوب والأمم، نسوق فيما يلي، باختصارٍ وتركيز، طائفة من المعلومات التي تُنشر وتتداولها الصحافة العالمية المتخصصة والمواكبة لثورة المعلوماتية التي هي الأساس الراسخ للعولمة الثقافية، والتي تشكل القوة الضاربة للنظام العالمي الجديد.
إن تكنولوجيا المعرفة، هي قوة الدفع للعولمة الثقافية. وفي ظل النقلة الجديدة والمتطورة جداً لتكنولوجيا المعرفة، يبدو العالم منقسماً إلى ثلاثة أقسام :
ــ إن 15 بالمائة من سكان العالم يوفّرون تقريباً كلَّ الاِبتكارات التكنولوجية الحديثة.
ــ إن 50 بالمائة من سكان العالم قادرون على استيعاب هذه التكنولوجيا استهلاكاً أو إنتاجاً.
ــ إن بقية سكان العالم، 35 بالمائة، يعيشون في حالة انقطاعٍ وعزلةٍ عن هذه التكنولوجيا.
وإذا كان هذا الواقع لعالم اليوم يعني شيئاً، فإنه يعني أن مقولة (القرية العالمية) التي أطلقها في عام 1962 (مارشال ماك لولهن) لم تصح. ولا يبدو أنها سوف تصح في المستقبل المنظور، على الرغم من كثرة استخداماتها في الأدبيات الإعلامية والثقافية الحديثة (7)
وهذا ما يشير إلى أن ظاهرة العولمة الثقافية تبدو محدودة التأثير، على الرغم من عنفوانها وعنفها وشراستها وقوة النظام العالمي الذي يمهد لها السبيل ويفتح أمامها الآفاق.
ولكن على الرغم من ذلك كلِّه، فإن الآثار التي تُحدثها العولمةُ في الشعوب التي تكتسحها، بالغة الضرر، نظراً إلى سوء الأوضاع الاِقتصادية والاجتماعية في النصف الأكبر من الكرة الأرضية، ويندرج في هذا الإطار، العالمُ الإسلاميُّ الذي لا سبيل إلى تجاهل المعاناة الشديدة التي يعانيها معظم بلدانه على الصعيدين الاِقتصادي والاِجتماعي، بصورة خاصة.
إن العولمة الثقافية تتغلغل في المجتمعات الفقيرة ذات الخصاص التي تفتقد القدرة على المقاومة، حتى وإن لم تفتقد الإحساس بالتميّز. وتتبيّن لنا حقيقة الأوضاع العامة في العالم الإسلامي، من المعلومات الإحصائية التالية :
ــ يبلغ عدد سكان العالم في الوقت الحاضر، ستة مليارات نسمة. وهذا العدد يزداد سنوياً بنسبة مائة مليون نسمة، و90 بالمائة من الزيادة تقع في 127 دولة، وكلها من العالم النامي التي لا تستطيع أن تستوعب هذه الزيادة الديمغرافية المطَّردة. ويقع العالم الإسلامي في القلب من هذا العالم النامي.
ــ مع إطلالة القرن الحادي والعشرين، فإن ثلثَ سكان العالم يعيشون تحت خط الفقر (أي تحت معدل دخل سنوي يبغ ثلاثمائة (300) دولار)، والأكثرية الساحقة من شعوب العالم الإسلامي مشمولة بهذه الظاهرة.
ــ استناداً إلى دراسات إحصائية لمنظمة اليونيسيف، فإن 12 مليون طفل تحت سن الخامسة، يموتون سنوياً نتيجة أمراض قابلة للشفاء. وهذا يعني أن كل يوم يموت 33 ألف طفل لأسباب يمكن تجنبها بما فيها سوء التغذية. وتشمل هذه الدراسة أطفالاً من العالم الإسلامي من بنغلاديش حتى موريتانيا.
ــ واستناداً إلى إحصاءات الأمم المتحدة أيضاً، فقد اقتُلع أكثر من 75 مليون إنسان من بيوتهم في الربع الأخير من القرن العشرين بسبب الحروب والصراعات الدينية والإِثنية والقبلية، ويطل القرن الحادي والعشرون، وهناك أكثر من 60 مليوناً لا يزالون في حالة تهجُّر. وهنا أيضاً، فإن نسبة عالية من المهجَّرين هم من المسلمين العرب والآفارقة والآسيويين.
ــ تدخل أكثر من 75 دولة، القرن الحادي والعشرين، وهي خاضعةٌ كلياً أو جزئياً، لمشيئة البنك الدولي، مستسلمةً لإرادته، منفذةً لسياسته، وذلك تجنباً لإعلان عجزها وإفلاسها. وبموجب ذلك تلتزم هذه الدول بتوجيه اقتصادياتها نحو عدم النموّ، ونحو تخفيض الإنفاق، ونحو وقف الدعم على بعض المواد الاِستهلاكية التي تقدمها لمساعدة شعوبها الفقيرة. وبعض هذه الدول من العالم الإسلامي (8).
فإذا كانت العولمة الثقافية تُفرض على العالم الإسلامي، في ظل هذه الأوضاع الصعبة، وفي هذا المناخ القاتم، ألا يحثّنا ذلك على البحث جدّياً، عن الأسباب والعوامل التي تؤدي إلى ضعف العالم الإسلامي اقتصادياً، ويدعونا في الوقت نفسه، إلى الربط بين معالجة الآثار السيئة للعولمة، وبين المبادرة الجدّية لإصلاح هذه الأوضاع إصلاحاً يقوم على أقوى الأسس؟.
إن المجتمعات الفقيرة المحرومة، تمثّل أحد المجالات الحيوية للعولمة؛ فكلما ضعفت المناعة الاِقتصادية، ضؤل تأثير المناعة الثقافية لدى الشعوب، مما يجعل السقوط والاِنهيار تحت مطارق ضربات العولمة الثقافية أكثر احتمالاً في ظل هذه الأحوال. ولذلك فإن العمل المخطَّط والمدروس في هذا المجال الحيوي، من خلال القنوات المتخصصة، وبتضافر الجهود في إطار العمل الإسلامي المشترك، هو واجبٌ من الواجبات المهمة التي تقع على كواهلنا جميعاً، والتي لا يُعفى منها أحد.
إن من شأن سدّ الفجوة الكبيرة بين الغنى والفقر في العالم الإسلامي، وتحقيق تنمية اقتصادية متوازنة ومتكاملة وشاملة، أن يحدَّ من المجال الذي يعمل فيه نظام العولمة الثقافية، وأَن يقطع الطريق على القوى المهيمنة التي يسعى القائمون عليها إلى إكراه الحكومات والشعوب على الإذعان لها والرضوخ لإرادتها والذوبان في العولمة الثقافية. ومن أجل ذلك لا يصح عقلاً ولا شرعاً، أن نظل مكتوفي الأيدي، مقيّدي العقول أيضاً، أمام التقدم المطّرد الذي يعرفه اكتساح العولمة الثقافية للعالم الإسلامي. ونعتقد أن العمل في هذا المجال الواسع، ينبغي أن يكون هو العمل الذي تحشد فيه القوى وتُعبّأ القدرات وتُستحث الهمم.
العالم الإسلامي في مواجهة العولمة الثقافية :
إذا كان العالم الإسلامي يوجد تحت تأثير ظاهرة العولمة الثقافية، بالنظر إلى أوضاعه الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية والثقافية والعلمية والإعلامية التي هي دون ما نطمح إليه، فكيف يتسنى له أن يواجه مخاطر هذه العولمة ويقاوم تأثيراتها ويتغلب على ضغوطها؟.
إن الواقع الذي تعيشه بلدان العالم الإسلامي يوفّر الفرص المواتية أمام تغلغل التأثيرات السلبية للعولمة الثقافية، لأن مقوّمات المناعة ضد سلبيات العولمة، ليست بالدرجة الكافية التي تقي الجسمَ الإسلاميَّ من الآفات المهلكة التي تتسبَّب فيها هذه الظاهرة العالمية المكتسحة للمواقع والمحطّمة للحواجز.
إن المقوّمات الثقافية والقيم الحضارية التي تشكّل رصيدنا التاريخي، لن تُغني ولن تنفع بالقدر المطلوب والمؤثر والفاعل في مواجهة العولمة الثقافية، مادامت أوضاع العالم الإسلامي على ما هي عليه، في المستوى الذي لا يستجيب لطموح الأمة. ولا يحسُن بنا أن نستنكف من ذكر هذه الحقيقة، لأن في إخفائها والتستّر عليها، من الخطر على حاضر العالم الإسلامي ومستقبله، ما يزيد من تفاقم الأزمة المركبة التي تعيشها معظم البلدان الإسلامية على المستويات السياسية والاِقتصادية والاِجتماعية والثقافية والعلمية.
إن الشعوب الضعيفة اقتصادياً والمتخلفة تنمويّاً، لا تملك أن تقاوم الضغوط الثقافية أو تصمد أمام الإغراءات القوية لتحافظ على نصاعة هوياتها وطهارة خصوصياتها. ولذلك كان خط الدفاع الأول على جبهة مقاومة آثار العولمة الثقافية، هو النهوض بالمجتمعات الإسلامية من النواحي كافة، انطلاقاً من الدعم القوي للتنمية الاِقتصادية والاِجتماعية، في موازاةٍ مع العمل من أجل تقوية الاِستقرار وترسيخ قواعده على جميع المستويات، وذلك من خلال القيام بالإصلاحات الضرورية في المجالات ذات الصلة الوثيقة بحياة المواطنين، بحيث ينتقل العالم الإسلامي من مرحلة الضعف والتخلف، إلى مرحلة القوة والتقدم، في إطار القيم الإسلامية وبروح الأخوة والسماحة والتعاون على البر والتقوى طبقاً للتوجيه القرآني الرشيد.
وكما أن ظاهرة العولمة الثقافية تتركّب من منظومة متكاملة من النظم السياسية والاِقتصادية والإعلامية والتكنولوجية، فكذلك هي المواجهةُ المطلوبة لآثار هذه العولمة، لابد وأن تكون قائمةً على أسس قوية، ومستندة إلى مبادئ سليمة. ومن هنا تأتي الأهمية القصوى للعمل الإسلامي المشترك، على شتى الأصعدة، وفي جميع القنوات، من أجل تعزيز التضامن الإسلامي حتى يكون القاعدة المتينة للتعاون بين المجموعة الإسلامية في كلّ الميادين، وفي سبيل تطوير التنمية الشاملة في العالم الإسلامي، للرفع من مستوى الحياة بمحاربة الظلم والفقر والجهل والمرض، وبإشاعة الوعي الاِجتماعي والثقافي الراقي، من خلال الاستثمار العلمي للموارد الاِقتصادية والطبيعية والبشرية التي تتوافر لدى الشعوب الإسلامية، والتوظيف المخطط والمدروس للإمكانات والقدرات، والاِستغلال الجيّد للفرص المتاحة وللآفاق المفتوحة أمام العالم الإسلامي لتحقيق نقلة حضارية حقيقية.
في هذه الحالة، يمكن أن نمتلك الشروط الضرورية لتقوية جهاز المناعة الثقافية ولتعزيز قدرة الإنسان المسلم على الصمود في وجه العولمة الثقافية. وبدون امتلاك هذه الشروط، يستحيل أن نحمي الهوية الثقافية الحضارية الإسلامية من مخاطر العولمة الثقافية.
إنَّ تقوية الكيان الإسلامي اقتصادياً وعلمياً وتكنولوجياً وثقافياً وتربوياً، هي الوسيلة الأجدى والأنفع والأكثر تأثيراً للتغلٌب على الآثار السلبية للعولمة الثقافية، وللاستفادة أيضاً، من آثارها الإيجابية في الوقت نفسه، من خلال التكيّف المنضبط مع المناخ الثقافي والإعلامي الذي تشكله تيارات العولمة الثقافية، والتعامل الواعي مع مستجداتها ومتغيراتها وتأثيراتها. وبدون هذه الوسيلة، فسوف نضيع في مهبّ رياح العولمة، وتكتسحنا تيّاراتها العاصفة الجارفة.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
samir
عضو مبتدئ
عضو مبتدئ
avatar

ذكر
عدد الرسائل : 24
العمر : 29
وسام التمييز : 0
تاريخ التسجيل : 07/10/2007

مُساهمةموضوع: رد: الاجتماعيات******************(العولمة)   السبت ديسمبر 01, 2007 3:45 am

ملامح صورة المستقبل الثقافي :
إن ما تعرفه البشرية اليوم في عالم الاِتصالات والمعلوميات، ليس بثورة كما يُعبَّر عن ذلك في الأدبيات المعاصرة؛ لأن الثورة فوضى وخبط عشواء واندفاعٌ في غير ما اتجاهٍ محدّد، وإنما هو تطوّرٌ شاملٌ عميقٌ وجذريٌّ يقوم على استغلال العلم والتكنولوجيا إلى أبعد الحدود، وعلى الدراسة والتخطيط وتوظيف القدرات العقلية والمهنية والتقانية والجمع بين الخبرات المتعددة المتراكمة في ميادين علمية تطبيقية متنوعة. وهذا العمل المتقن المحكم المدروس، ليس بثورة.
ولقد أحدث هذا التطوّر المهول في عالم الاِتصالات والمعلوميات، تحوّلاتٍ عميقةً في الثقافة والإعلام والاتصال، وفي مجالات النشاط الفكري والذهني الإنساني المتنوعة. وقياساً على الحجم الذي بلغته هذه التحوّلات في الوقت الراهن، وربطاً بينها وبين المتغيّرات الكثيرة التي تعرفها الإنسانية اليوم في ميادين الاِقتصاد والتجارة والصناعة والزراعة والطب والهندسة الوراثية والفضاء، نستطيع أن نبني توقعاتنا لما ستنتهي إليه ظاهرة العولمة الثقافية في المستقبل على المدَيَيْن القريب والمتوسط، على حساباتٍ لا تبعد كثيراً عن الصحة.
إن الأمر المؤكد أن العولمة الثقافية ستبلغ درجةً قصوى من التطوّر يصل بها درجةً من التغلغل والنفوذ غير معهودة. وهذا ما يتطلب من الحكومات والشعوب، الاِستعداد، على جميع المستويات، للتعامل مع الحالة المرتقبة.
ولكن الأمر المؤكد أيضاً، واستناداً إلى الحسابات نفسها، أن ظاهرة العولمة الثقافية، لابد وأن تتراجع أمام مقاومة الشعوب التي تملك رصيداً حضارياً متميّزاً وإرادة لمواجهة السياسة ذات النزعة الاِستبدادية والمدفوعة بإرادة الهيمنة والإصرار على إكراه الشعوب وعلى تبنّي سياسات اقتصادية واجتماعية وثقافية وتعليمية وإعلامية تَتَعَارَضُ مع مصالحها، وتُصَادِمُ خصوصياتها الثقافية والحضارية.
ويمكن أن نقول في ضوء تحليلنا هذا، إن العالم الإسلاميّ سيجد نفسه محاصراً بمعركة ثقافية ضارية، لا سبيل إلى التغلّب على آثارها والاِنتصار فيها، إلا بتطوير آليات العمل الثقافي، وبتحديث وسائله، وبمراجعة شاملة وعميقة لأهدافه وغاياته.
وفي هذا المقام، نشير إلى الأداة الفعالة لتحقيق النهضة الثقافية التي يمتلكها العالم الإسلاميّ في الوقت الحاضر، وهي (الاِستراتجية الثقافية للعالم الإسلامي)، التي اعتمدها مؤتمر القمة الإسلامي السادس المنعقد بداكار في عام 1991، والتي تشكّل الإطار الملائم والمتكامل للعمل الثقافي العام في البلدان الإسلامية. وهي استراتيجيةٌ وَضَعَ آليات تنفيذها، المؤتمر الإسلاميّ الثاني لوزراء الثقافة الذي عقد في الرباط بالمملكة المغربية في عام 1998، وهي بذلك جاهزةٌ للتنفيذ على المستويين، الوطني في إطار السياسات الثقافية لكل دولة عضو، والإسلامي في نطاق العمل الإسلامي المشترك ومن منطلق التضامن الإسلامي.
ولا يعني هذا أن المستقبل الثقافي للعالم الإسلامي، في عصر العولمة الثقافية، سيكون مستجيباً لطموح الأمة الإسلامية بمجرد تنفيذ الاستراتيجية الثقافية، ولكن الأمر يتطلب، في المقام الأول، بذل المزيد من الجهود المتضافرة لإحداث التغييرات المطلوبة من حيث التفكير والتخطيط والتنفيذ والمتابعة. ويقتضي ذلك أن يغيّر العالم الإسلامي وسائل العمل الثقافي وأدواته وأهدافه أيضاً، وأن يعمل على تطوير مناهج التربية والتعليم وتجديد الدراسات الإنسانية على وجه العموم، وأن يتجه نحو الأخذ بالأساليب العلمية في العمل الثقافي والإعلامي، حتى تتوافر له الوسائل الحديثة الكفيلة بالنهوض الثقافي العام. وبذلك يستطيع العالم الإسلامي أن يصمد صموداً ثابتاً أمام ظاهرة العولمة الثقافية.
خاتمـة :
إن العالم الإسلامي لا يملك أن يمنع العولمة الثقافية من الانتشار، لأنها ظاهرة واقعية تفرض نفسها بحكم قوّة النفوذ السياسي والضغط الاِقتصادي والتغلغل الإعلامي والمعلوماتي التي يمارسها النظام العالمي الجديد. ولكن العالم الإسلامي يستطيع أن يتحكم في الآثار السلبية لهذه العولمة، إذا بذل جهوداً مضاعفة للخروج من مرحلة التخلف إلى مرحلة التقدم في المجالات كلِّها، وليس فحسب في مجال واحد، للترابط المتين بين عناصر التنمية الشاملة ومكوّناتها.
إنَّ التعامل مع ظاهرة العولمة الثقافية لابد وأن يقوم على أساس القوة الاِقتصادية والاستقرار السياسي والسلم الاِجتماعي والتقدم في مجالات الحياة كلِّها، وهذا ما يتطلّب، في المقام الأول إصلاح الأوضاع في العالم الإسلامي في هذه المجالات كافة، وترسيخ قواعد العمل الإسلامي المشترك، على مستوياته المتعدّدة، من أجل الدفع بالتعاون بين المجموعة الإسلامية نحو آفاق أرحب تطلعاً إلى مستقبل أكثر إشراقاً.
والقضية في عمقها مرتبطةٌ بمدى قوة الإرادة الإسلامية وتماسك جبهة التضامن الإسلامي وتضافر جهود المسلمين كافة، في سبيل بناء النهضة الحضارية للعالم الإسلامي، بالعلم، وبالفهم، وبالوعي، وقبل ذلك كلِّه، بالإيمان واليقين والتضامن والأخوة الإسلامية.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
الاجتماعيات******************(العولمة)
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
ثانوية الأمير مولاي عبد الله بمدينة سيدي سليمان :: 2 باك ثانوي :: منتدى التاريخ و الجغرافيا-
انتقل الى: